محمد بن زكريا الرازي

549

الحاوي في الطب

قال : لأن الحميات مرض يكون في العروق الضوارب وغير الضوارب فاجعل دليلك عليه من النضج في البول وفي ذات الجنب من النفث ولأن فيها حمى فضم إليها النظر في البول ومتى كان المرض في البطن فإن لم يكن معه حمى فانظر إلى ما يبرز من البطن فإن كان معه حمى فانظر في آلات البول أيضا . انقضاء ابتداء المرض يكون مع ظهور علامات النضج . الزمان الذي بين ظهور علامات النضج إلى منتهى المرض فهو زمان التزيد والصعود ثم المنتهى بعد هذا وهو أقوى أجزاء المرض كلها وأصعبها وأحرها وقت الانحطاط . قال : وإذا أنا ذكرت في كلامي ابتداء المرض فافهم منه جميع الزمان الذي بين أول نقطة لا عرض لها كأن فيها المرض وبين أول ظهور النضج : وهذا الوقت هو الوقت كله الذي لم يكن فيه بعد نضج ، لأن تعرف هذا الابتداء هو الذي يحتاج إليه في هذه الصناعة ، لأنه يدل على أمور عظيمة من أمر المرض . قال : وأنا أجمل قولي فأقول : يستدل على أوقات الأمراض الكلية من الأمراض أنفسها أولا كم يكون مقدار زمانها ؟ ثم من أوقات السنة ، وقياس الأدوار بعضها إلى بعض ، ثم مع هذه الأشياء كلها من العلامات التي تظهر بعد . وأشرفها علامات النضج التي بها يعرف حد الانتهاء وانقضاؤه على الصحة والحقيقة ، ثم تتقدم فتعلم من قبل الابتداء متى يكون الانتهاء بحدس مقرب يقرب من الحقيقة غاية القرب ، وكما أن تعرف الابتداء على الصحة والاستقصاء لا يكون حتى يبتدئ وقت التزيد كذلك لا يلتئم تحديد وقت التزيد على الصحة والاستقصاء دون أن يبتدئ وقت المنتهى ، وينبغي أن ترتاض أولا في تعرف وقت المنتهى حين يبتدئ ، ثم ترتاض في أن تتقدم فتعلم : متى يكون ؟ قبل أن يكون . لي : يقول إنه كما أن وقت الابتداء إنما صح عندك حين ظهرت علامات النضج الدالة على أول التزيد ، كذلك تعرف وقت التزيد بالصحة حين تبتدىء العلامات الدالة على الانتهاء ، وهي كمال علامات النضج وبلوغ أعراض المرض غايته . وإذا تدربت في هذا دربة كافية أمكن أن تحدس بعد على الأوقات قبل حضورها . قال : وقد وصف أبقراط علامات المنتهى فقال : إن جميع الأعراض والنوائب في أول المرض وآخره أضعف ما تكون وفي منتهاه أقوى ما تكون . وقال ، متى كان المرض في غاية الحدة فإن الأوجاع التي في غاية القصوى في الشدة تأتي فيه سريعا . لي : لج بعد هذا كلام رأيت أن إثبات هذه الجملة هاهنا أولى ، وهو هذا : الأمراض الحادة إما أن تكون لها نوائب أو لا تكون لها نوائب ، فالتي لا نوائب لها الحد الأقصى من تزيد المرض وهو الانتهاء هو أدل وإن كان مما ينوب فاعرف الانتهاء من قياس النوائب بعضها ببعض .